المنجي بوسنينة

302

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ينقلب مصلحا دينيا ينفر من الضلالات ويتشبّث بأقوال السلف الصالح ، فلا يرضى عن قول إذا لم يدعّمه دليل الكتاب أو السنّة ، ويصدع بما يراه حقّا ولا يبالي بسخط من يخالفه في نهجه الإصلاحي ، ولهذا كثر أعداؤه والناقمون عليه ممّن عشّشت في عقولهم الضلالات ، فأخذوا يدسّون له ويرمونه بالتهم الباطلة ، فاتّهم هو وصديقه جمال الدين القاسمي وجماعة من العلماء المتنوّرين بأنّهم يجتهدون في أمور الدين ، وكان الاجتهاد في ذلك الحين أمرا منكرا ، وأنهم يفسرون القرآن والحديث برأيهم ، وأخذوا يؤلّبون عليه ولاة السلطة العثمانية فأشاعوا أنّه أنشأ مذهبا جديدا يخالف ما عليه الناس ، وأنه يعمل في أمور سياسيّة تخالف سياسة الدولة العثمانية ، فاتّهم سنة 1324 ه بأنّه يريد تسليم سورية لنجد ومصر للإنكليز ، ولكن والي سورية إذ ذاك شكري باشا كان رجلا عاقلا ، فاستدعاه ليسأله عمّا يشاع عنه ، فقال له : « وهل سورية ومصر ، يا حضرة الوالي ، تفاحتان في جيبي حتى أسلّمهما ؟ ثم إن كان في إمكاني أن أتصرّف بهما وأسلمهما لغيري ، فلم لا أبقيهما لنفسي ؟ ووراء ذلك فإن كان يتيسّر لمثلي تسليمهما فرجل أقدر مني يسلم البلاد العثمانية كلّها للأجانب ، وأين الحكومة وقوّتها ؟ » . فطمأنه الوالي إلى أنّه لم يصدّق ما نقل إليه من وشايات كاذبة ، ودعاه إلى الإفطار معه ، وكان ذلك في شهر رمضان من عام 1324 ه . وقد فتّشت داره وكتبه مرات ، علّهم يعثرون على أوراق تدلّ على عدائه للسلطة ، فخاب أملهم ولم يجدوا عنده ما يبتغون . لقد ظلّ منذ صحوته الدينية والفكرية ينشر أفكاره الإصلاحية ولا يعبأ بما يلاقيه من عداوة المتشبّثين بالأفكار الرجعيّة وجامدي العقول حتى وافاه أجله في العاشر من ربيع الأوّل سنة 1335 ه / 1916 م . قام الشيخ البيطار أثناء حياته برحلات إلى مدن عدّة ، منها القاهرة والآستانة والقدس وبيروت ، وكانت رحلته إلى القاهرة سنة 1321 ه / 1903 م ، وكان رفيقه في هذه الرحلة صديقه الحميم الذي لازمه طوال حياته وتتلمذ له ، وهو الشيخ جمال الدين القاسمي ، وكانت هذه الرحلة مناسبة لالتقائه كبار العلماء في مصر ، فقد لقي الشيخ الإمام محمد عبده ، والشيخ محمد رشيد رضا ، وغيرهما ، وذكرت الصحف المصرية نبأ حضورهما إلى القاهرة . وقد أعجب الشيخ محمد عبده بالشيخ البيطار ولقيه بمزيد من الإجلال والتوقير ، وكانا بعد ذلك يتبادلان الرسائل ، وقد تحدّث عن صداقتهما الشيخ محمد بهجة البيطار فقال : « أخبرني عمّ والدي المفضال ، شقيق المترجم الشيخ محمد سليم البيطار ، أنهم لّما كانوا في مصر سنة 1321 ه ، كان مفتي الديار المصرية الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، رحمه الله تعالى ، يجلّ الأستاذ المرحوم ، أي الشيخ عبد الرزاق ، كثيرا ، ولا يتقدّمه أبدا ، حتى ظنّ بعض أفاضل العلماء في مصر بأنّ الأستاذ الإمام قد تلقّى العلم عن المرحوم ، أيّام كان في بلاد الشام » [ مقدّمة كتاب حلية البشر ] . وقد قام الشيخ عبد الرزاق بزيارة الآستانة - إستنبول - أكثر من مرّة ، زارها مرّة تلبية لدعوة وجّهها إليه صديقه الأمير محيي الدين الجزائري ، ابن الأمير عبد القادر ، وكانت